محمد أبو زهرة

654

زهرة التفاسير

وجعلهم طعاما سائغا ؛ فظهور العداوة بظهور آثار الأعمال الوخيمة ؛ إذ إنه يغرى باتباع الشهوات وهي حلوة المذاق ، فإذا ذاقها من أغواه اندفع فيها ، وهي مردية في نتائجها وبيئة في نهاياتها ، فيكون الضرر المحقق بالآحاد والجماعات . وإن عداوة الشيطان مقررة ثابتة من بدء الخليقة ، فهو الذي أغوى آدم وأنزله من الجنة ، وبمثل ما صنع مع الأب يصنع مع الأبناء ؛ وإن الله سبحانه قد سجل أن عداوته مستمرة ، فقال سبحانه : وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ ( 36 ) [ البقرة ] . فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يقترن في آي الله الحكيم الأمر بالشيء بالنهى عن نقيضه ، وعن أسباب المخالفة ؛ ويقترنان بالترغيب في نعيم الله أحيانا ، وبالترهيب من بطش الله العزيز الحكيم أخرى ؛ وفي هذه الآية قد اقترن النهى بالترهيب من العصيان ؛ لأن النهى كان منصبا على اتباع خطوات الشيطان والخضوع لإغرائه ؛ وهو يجئ إلى النفس من جهة شهواتها وما تألفه ، فناسب ذلك الترهيب من العقاب ؛ ليعلم من يجترح اللذات أن وراءها محاسبة القوى الجبار الذي لا تخفى عليه خافية ؛ ولقد بين عداوة الشيطان للإنسان ، فمن والاه فقد عادى نفسه وربه ، ويحق عليه العقاب ، وقبل نزوله يلزم التهديد به ليكون على بينة من أمره . فَإِنْ زَلَلْتُمْ أي عدلتم عن الطريق المستقيم إلى الطريق المنحرف ، وأصل الزلل يكون في القدم ، ثم استعمل في الآراء والمسالك المعنوية ؛ يقال زل يزل زللا وزلولا ، أي دحضت قدمه ؛ وهناك لغة في زل تجعلها من باب فرح يفرح ، مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ أي من بعد أن ساق الله سبحانه وتعالى لكم الحجج والأدلة المبينة لكم الحق من الباطل ، والضلال من الهدى . ومعنى الآية إجمالا : إن حدتم عن طريق الاستقامة والإخلاص والحق من بعد أن علمتموه ببرهانه ، فليس ثمة إلا العقاب الرادع بعد الدليل القاطع ؛ واعلموا أن الله عزيز لا يغلب ، ولا يهزم من ينصره ، ومن عاداه وعادى أولياءه فهو عرضة